التوفيق بين المعايير الشرعية والمهنية في المؤسسات المالية الإسلامية

موقع ردنا لأخبار الأدیان والمذاهب – يسعى النظام المالي الإسلامي بكل أدواته وأسسه ووسائله إلى تحقيق المقاصد الشرعية العليا؛ المتمثلة في جلب المصالح ودرء المفاسد، وإقامة العدل والإحسان، وحفظ الحقوق، ودفع الظلم والاستغلال.. إلخ.

ويحث الإسلام أتباعه على الأخذ بكل ما هو نافع ومفيد، وما يؤدي إلى المحافظة على المقاصد الشرعية، عملاً بقوله صلى الله عليه وسلم «..أنتم أعلم بأمر دنياكم» (الألباني، ت1420، صحيح الجامع 1488 – صحيح). فكل ما يزيد في تحقيق المصالح ودرء المفاسد من علوم دنيوية، يجب الأخذ به، فالحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها.

وبناء على ما تقدم، فإن النظام الإسلامي يقبل كافة القواعد أو المعايير الفنية والمهنية التي تزيد في الكفاءة والجدارة، وتحفظ حقوق جميع الأطراف أصحاب العلاقة بالصناعة المالية الإسلامية، حيث يحث النظام الإسلامي أتباعه على الإحسان والإتقان والكفاءة، والاستخدام الأمثل، ووضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتجنب الضرر والإتلاف والاستنزاف والتبديد والهدر بشكل عام. غير أننا وجدنا أن المعايير الفنية الدولية لم تحسب حساباً للصناعة المالية الإسلامية، بل إنها صُممت لمراعاة البنوك والمؤسسات المالية التقليدية التي تعتمد سعر الفائدة كمعيار أول لتخصيص الأموال وتخصيص الموارد بشكل عام، كما أن هذه المعايير وجدت من قبل الدول الصناعية الكبرى، وبالتالي قد لا تكون مناسبة تماماً لظروف البنوك والمؤسسات المالية في الدول النامية. ومع ذلك فقد وجدنا أن البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية قد أخذت باحتياطات أشد من الاحتياطات التي تتطلبها معايير« بازل» أو غيرها من المعايير الدولية، نظراً لطبيعتها الخاصة التي لا تتعامل بالوهم أو الرهونات العقارية أو البيع بالهامش أو غيرها من أشكال المقامرات.

وعلى الرغم من كثرة الجهات والمؤسسات الإسلامية المعنية بالمعايير، والتي أصدرت عشرات المعايير، فإن هذه المعايير لم تستطع أن تحدد بوضوح وفقاً لمعادلات قياسية محددات الربا المحرم في الديون أو البيوع، ولا محددات الغرر الفاحش أو محددات الشروط الفاسدة أو حتى محددات المحرمات.

إن المواءمة أو التوفيق بين الصناعة المالية التقليدية والإسلامية تقتضي أخذ أفضل ما في الصناعة المالية التقليدية من أدوات وأساليب بعيدة عن الربا أو المخالفات الشرعية، وعدم التنازل عما توصلت إليه الصناعة المالية الإسامية من أدوات وآليات خاصة مستمدة من أصول المعاملات الفقهية والشرعية.. وهذا يتطلب السعي الدائم والحثيث إلى التطوير والمراجعة واكتساب الخبرات ومواكبة التطورات والنظر إلى ما توصل إليه الآخرون من أدوات نافعة محايدة بعيدة عن المخالفات الشرعية، ومحاولة الأخذ بها إذا كان في ذلك مصلحة حقيقية للصناعة المالية الإسلامية.

إن المعايير المهنية والمحاسبية هي أدوات فنية مهنية محايدة يمكن الاستفادة منها عندما لا تتصادم مع مبادئ العدالة والمصلحة الشرعية، بل إن الأخذ بها يعد واجباً حينئذ، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والحكمة ضالة المؤمن أنَّى وجدها فهو أحق الناس بها. أما إذا تضمنت الظلم والاستغلال والإذعان والجشع، فلا مصلحة فيها ويجب تركها والبحث عن غيرها مما فيه مصلحة وما يتوافق مع المقاصد الشرعية العليا للشريعة الإسلامية.

د. كمال توفيق حطاب

مصدر مجلة الاقتصاد الاسلامي
أخبار ذات صلة
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.