غزة وإزدواجية الموقف التركي.. داوود أوغلو: كفى إستعراضا

ردنا – علق رئيس الحكومة التركية الأسبق، أحمد داوود أوغلو، على تصريح الرئيس رجب طيب أردوغان عن أن تركيا ليست مديونة لإسرائيل، متسائلا: “فلماذا تستمرون في إرسال المواد الغذائية والنفط؟”.

وكتب داوود أوغلو عبر منصة “إكس”: “حديث الرئيس التركي أردوغان خلال خلال المؤتمر الصحفي مع المستشار الألماني عن أن (تركيا ليست مديونة لإسرائيل) هو حديث صحيح، وأثني عليه”.

وأضاف: “لكن عندما ننظر إلى الموقف العملي أشعر بالخجل باسم وطني وأمتي!.. إذا لم نكن مديونون لإسرائيل، فلماذا تستمر شحنات النفط من (ميناء) جيهان (جنوبي تركيا) إلى إسرائيل؟.. لماذا تستمرّون في إرسال المواد الغذائية، والأسمنت، والحديد والصُّلب إلى إسرائيل؟.. إذا ذهب من طرفنا (إلى إسرائيل) الوقود الذي تستخدمه الطائرات الإسرائيلية، وإذا ذهب من طرفنا (إلى إسرائيل) طعام جنود إسرائيل، فعار عليكم، عار عليكم !!”.

 

علاقات متذبذبة

مع بدء عملية طوفان الأقصى في 7 أكتوبر، تبنت أنقرة دبلوماسية جادة لدفع الجانبين إلى وقف التصعيد ومنع مواجهة أوسع نطاقا، مستخدمة خطابا متوازنا لدعوة الجانبين إلى ممارسة ضبط النفس. إلا أن القصف الإسرائيلي حوّل أجزاء كبيرة من غزة إلى أنقاض، وواصلت حماس إطلاق الصواريخ باتجاه الأراضي المحتلة ردا على ذلك.

كما أعلن المسؤولون الأتراك أنهم مستعدون للتوسط بين الطرفين لخفض التوترات نحو حل الدولتين على أساس حدود عام 1967.

وبحسب التقارير، طلبت الحكومة التركية من قادة حماس الرئيسيين، بما في ذلك إسماعيل هنية، مغادرة البلاد، لكن المؤسسة الدبلوماسية في أنقرة رفضت ذلك. لأنها واجهت ردود فعل من التيارات الداخلية الداعمة لحماس في تركيا.

ومع توسع الحملة العسكرية الإسرائيلية، انتقدتها تركيا بشدة. وتعتبر السلطات التركية، التي تعكس الرأي العام السائد، هذه الحملة غير متناسبة إلى حد كبير وخارجة عن نطاق الرد المبرر على عملية 7 أكتوبر. وقال رجب طيب أردوغان؛ في 26 أكتوبر: “إن الهجمات الإسرائيلية على غزة تجاوزت منذ فترة طويلة الدفاع عن النفس وتحولت إلى القسوة والقتل والهمجية والإبادة الجماعية الواضحة ضد الشعب الفلسطيني. كما دعم أردوغان قوات حماس بسبب “جهودها لحماية أراضي وحدود فلسطين”.

لكن اندلاع الحرب أضعف احتمالات تحسين العلاقات بين تركيا وإسرائيل، والتي استعادها الجانبان قبل عام بعد عقد مضطرب. فمعظم المشاكل المتعلقة بفلسطين تتعلق بوضع أهل غزة. وقطعت أنقرة علاقاتها مع الكيان الإسرائيلي في منتصف عام 2010 بعد أن هاجمت القوات الإسرائيلية سفينة مافي مرمرة، وهي سفينة مدنية تركية تحمل مساعدات إنسانية إلى قطاع غزة.

قتل الجنود الإسرائيليون عشرة من أفراد الطاقم الأتراك في هذا الحادث. لقد استغرق الكيان الإسرائيلي وتركيا ست سنوات لاستعادة العلاقات بينهما، ولكن في عام 2018 شهدنا قطعها مرة أخرى. وفي مايو 2018، بعد أن قتل جنود إسرائيليون 60 متظاهرا فلسطينيا على حدود غزة، قطعت أنقرة العلاقات وطردت سفير إسرائيل، لكن أردوغان لم يطرد سفير الكيان الصهيوني في تركيا حتى الآن.

 

الخروج من العزلة

واستأنفت تركيا علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الإسرائيلي في عامي 2021 و2022، كجزء من تحولها إلى سياسة خارجية أكثر واقعية وفي محاولة للخروج من عزلتها في شرق البحر الأبيض المتوسط. وكانت السلطات التركية والإسرائيلية تدرس إنشاء خط أنابيب للغاز يمتد من الأراضي المحتلة إلى أوروبا عبر تركيا. لكن مصير هذا المشروع أصبح غير مؤكد بشكل متزايد اليوم.

وبعد ردود فعل السلطات، وخاصة الشعب التركي، على جرائم الكيان الصهيوني، استدعت إسرائيل دبلوماسييها من تركيا في أكتوبر، وبعد ذلك ردت السلطات التركية بشكل حاسم على الهجوم البري للكيان على غزة في بيانات مختلفة.

كما أضافت الحرب في غزة درجة من عدم القدرة على التنبؤ بجهود أنقرة لتطبيع العلاقات مع مصر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة. وتغيرت علاقات تركيا مع الدول العربية، وخاصة مصر والمملكة العربية السعودية، بعد انتفاضات الربيع العربي عام 2011، عندما دعمت أنقرة الجماعات المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين.

وفي الوقت الحالي، يرى بعض المعلقين المؤيدين للحكومة التركية أن هذه الحرب يمكن أن تعزز علاقات تركيا مع الدول العربية وتؤدي إلى زيادة العزلة الإقليمية للكيان الإسرائيلي، مما يساعد أنقرة على إعادة بناء علاقاتها مع هذه الدول الإسلامية في المنطقة.

 

سيناريو حل الدولتين

وفي الوقت نفسه، فإن النهج الذي تتبعه تركيا في التعامل مع حماس يزيد من تعقيد الصورة. وعلى عكس الولايات المتحدة وبعض الدول الغربية والكيان الإسرائيلي، لم تدرج أنقرة الجماعة مطلقا على قائمة المنظمات الإرهابية. في الواقع، تحاول أنقرة منذ سنوات تحويل حماس من “تيار مقاومة مسلح” إلى شريك محتمل في سيناريو حل الدولتين، وذلك بشكل رئيسي من خلال تعزيز الفصائل السياسية المؤيدة لحماس.

كما انتقدت إسرائيل أنقرة لدعمها حماس، ووسط عملية التطبيع الأخيرة بين البلدين، اتخذت أنقرة خطوات للحد من مساحة المناورة المتاحة لحماس في تركيا، ونتيجة لهذه الحركة غادر بعض أعضاء حماس، بما في ذلك إسماعيل هنية، زعيم جناحها السياسي إلى قطر.

تأثير تركيا على المكون السياسي لحركة حماس غير واضح اليوم، لكن بسبب دعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية لقضية فلسطين على مختلف المستويات الدولية، ترى حماس اليوم نفسها أقرب إلى إيران، وبالتالي قلصت تركيا علاقتها مع حماس في بعض المستويات.

لكن مع بدء عملية اقتحام الأقصى وانتشار حرب غزة، تحول خطاب أردوغان إلى خطاب مؤيد للفلسطينيين بشكل كامل وفي بعض الأحيان مؤيد لحماس بشكل علني، مما حد من فرص أنقرة في لعب دور وساطة في الأزمة الحالية.

وفي المقابل، كانت قطر، الشريك الرئيسي لتركيا في الخليج وداعما آخر لحماس، في طليعة جهود الوساطة.

كما ألقت الحرب في غزة بظلالها على علاقات تركيا مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، التي أظهرت علامات تحسن حتى قبل بضعة أشهر، سوف تبقى متوترة على الرغم من الاتفاق على وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة أربعة أيام طالما استمرت الحرب.

 

“اتركوا المواقف الإستعراضية”

هناك خلافات بين تركيا والدول الغربية وحتى بعض الدول العربية حول كيفية النظر إلى حماس وكيفية الرد على الأعمال العسكرية التي يقوم بها الكيان الإسرائيلي. وحتى في الأيام الأولى بعد بدء حرب غزة، عندما حاول المسؤولون الأتراك تقديم وجهة نظر متوازنة للحرب، وجه أردوغان انتقادات للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بسبب ما وصفه فيما بعد بأنه تفويض مطلق لإسرائيل للقيام بما تريد وبحجة الحرب مع حماس.

وعندما نشرت الولايات المتحدة حاملتي طائرات في شرق البحر الأبيض المتوسط، كان رد فعل أردوغان قويا، مشككا في نوايا الولايات المتحدة. وأثار هجوم 17 أكتوبر على مستشفى في غزة احتجاجات واسعة النطاق مؤيدة للفلسطينيين في تركيا، بما في ذلك قاعدة رادار كوريجيك التابعة لحلف شمال الأطلسي في شرق ملاطية، وأغلقت الولايات المتحدة قنصليتها في أضنة، جنوب تركيا، كإجراء أمني.

ومع ذلك، فقد واجه سلوك أردوغان المزدوج ردود فعل عديدة من السياسيين الأتراك في الداخل. اذ انتقد رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داوود أوغلو؛ سياسات حكومة أردوغان فيما يتعلق بغزة، وقال: اتركوا الاستعراض مضيفا لنقم بفرض عقوبات على الكيان الصهيوني بأسرع وقت ولنترك المواقف الاستعراضية.

كما قال داوود أوغلو بوضوح في خطاب قاس ضد أردوغان: “إذا لم تتوقف تركيا عن التصدير إلى إسرائيل، فهذا يعني أننا (تركيا) سنوفر الوقود للمقاتلين الإسرائيليين والغذاء لجنود هذا الكيان”.

ختاما، ينبغي أن نرى ما إذا كانت عملية وقف إطلاق النار بين حماس والكيان الصهيوني ستؤتي ثمارها أم لا. ورغم إعلان قطر ومصر وقف إطلاق النار لمدة 4 أيام بين حماس وإسرائيل لتبادل الأسرى، إلا أنه إذا استمرت الحرب وانهار وقف إطلاق النار، فلا شك أن مسؤولي الحكومة التركية الحالية، وخاصة أردوغان، ومن أجل الحفاظ على مكانتهم في السياسة الداخلية التركية، عليهم إعادة النظر في سلوكهم المزدوج تجاه القضية الفلسطينية، وكذلك عرض موقفهم بين الدول المؤثرة في السياسة الإقليمية بطريقة شفافة.

 

المصدر: مواقع إلكترونية

مواضيع إضافية
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.